الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

404

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

النباتات أو الحيوانات يسعى لإزالة ما يعترض طريقه من موانع بواسطة الجهاد ، لكي يستطيع كل واحد منهم بلوغ الكمال المطلوب في التكوين . وعلى سبيل المثال فجذر النبات الذي ينشط للحصول على الغذاء والطاقة بصورة دائمة ، لو ترك نشاطه ، هذا وكف عن السعي لاستحال عليه إدامة حياته . ولذلك فإن هذا الجذر حين يعترض طريقه مانع في عمق الأرض يحال تخطيه بثقبه ، والعجيب هنا أن الجذور الرقيقة تعمل في مثل هذه الحالة كالمسمار الفولاذي في ثقب الموانع التي تعترضها ، فلو عجزت في هذا المجال لحرفت طريقها واجتازت المانع عن طريق الالتفاف حوله . وفي داخل وجود الإنسان أيضا وحتى في ساعات النوم هناك صراع غريب ومستمر ما دام الإنسان حيا ، وهو الصراع بين كريات الدم البيضاء والأجسام المعادية المهاجمة ، فلو أن هذا الصراع توقف لساعة واحدة وتخلت الكريات البيض عن الدفاع ، لتسلطت الجراثيم والمكروبات المتنوعة على كافة أجهزة جسم الإنسان ولعرضت حياته إلى الخطر . إن ما هو موجود في أوساط المجتمعات والقوميات والشعوب في العالم من كفاح من أجل البقاء ، هو عين ذلك الكفاح والجهاد الذي لمسناه في النبات وفي جسم الإنسان . وعلى هذا الأساس فإن كل من يواصل " الجهاد " و " المراقبة " تكون الحياة من نصيبه وهو منتصر دائما - أما الذين تلهيهم عن الجهاد الأهواء والملذات والشهوات والأنانية وحب الذات فلن ينالهم غير الفناء والدمار عاجلا أو آجلا ، وسيحل محلهم أناس يمتازون بالحيوية والنشاط والكفاح الدؤوب . وهذا هو الشئ الذي يؤكد عليه رسول الله محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إذ يقول : " فمن ترك الجهاد ألبسه الله ذلا وفقرا في معيشته ، ومحقا في دينه ، إن الله أعز أمتي بسنابك خيلها